> العرض والطلب: مفارقة الشركات الأمنية الخاصة في ليبيا

العرض والطلب: مفارقة الشركات الأمنية الخاصة في ليبيا

من المعروف أن انتقال ليبيا بالثورة من الديكتاتورية إلى الديمقراطية الوليدة لم يكن سهلا   ،

عقدت ليبيا أول انتخابات عامة حرة في يوليو 2012 لكن منذ ذلك الحين واجهت حكومة علي زيدان العديد من التحديات، كان أكبرها حالة عدم الاستقرار الحالية التي تعصف بعدة جهات في البلاد.  فالدولة ضعيفة رغم سعيها لكبح جماح الميليشيات المسلحة التي لا ترغب في التخلي عن قوتها للجيش الوطني وقوات الشرطة في ليبيا.

هذا هو مصدر قلق كثير من الشركات العالمية التي تتطلع للاستثمار في ليبيا الجديدة، وخاصة بالنسبة للشركات النفطية العاملة في مواقع نائية في الصحراء.

ليبيا بحاجة الى استثمار أجنبي من أجل التطوير، ولكن الشركات الأجنبية تحتاج إلى ضمانات بأن موظفيها سيكونون آمنين قبل أن يقدموا على الاستثمار. ونتيجة لذلك، أعطت القيادة الليبية الجديدة الإذن لشركات أمنية غربية خاصة لتزويد الحماية للشركات الأجنبية العاملة، وبالتالي سد الفراغ الأمني الذي لم تملك الدولة القوة الكافية لملئه حتى الآن.

من الناحية النظرية هذا الأمر يبدو معقولا تماما في مناطق غير مستقرة مثل منطقة الحدود المخترقة في الجنوب، وبعيدا عن متناول الحكومة المركزية في طرابلس.

ومع ذلك، فمن الصعب تبرير وجود رجال الأمن الأجانب في المناطق التي أصبحت الدولة فيها قوية نسبيا، حيث ليس هناك مخاوف أمنية فيها ولا تكاد توجد تهديدات مباشرة ضد الأجانب. إن موظفي هذه الشركات الأمنية الخاصة هم عبارة عن مرتزقة، أخذا في الاعتبار جميع النوايا والمقاصد، حيث هم ليسوا مواطنين أو أطراف في النزاع ولكنهم يملكون الحافز للمشاركة ببساطة عن طريق الرغبة في تحقيق مكاسب خاصة. هناك يصبح دور هذه الشركات الأمنية مشبوه ومشكوك فيه جدا في ليبيا.

بادئ ذي بدء، ليبيا لم تعد منطقة نزاع مسلح. ورغم ذلك فإن معظم أفراد الشركات الأمنية الغربية الخاصة الذين التقيت بهم في ليبيا هم من قدماء المقاتلين في العراق وأفغانستان: ولكن ليبيا ليست في حالة حرب.

هؤلاء الرجال (حيث إنني لم ألتق بأي سيدة من بينهم) تم تدريبهم للعمل في أجواء معادية وخطيرة للغاية، حيث أن الأشخاص الذين يقومون بحمايتهم، هم الهدف من قوى معادية. ولكن، على الرغم من عدم الاستقرار ووجود الميليشيات، ليبيا ليست مثل العراق أو أفغانستان وأنه من غير الأخلاقي، ناهيك عن خطورة الأمر، أن يتم التعامل مع البلاد كما لو كانت في حالة حرب.

عاصمة ليبيا هي مثال على ذلك. أنا أعمل في منظمة ليبية في طرابلس و(لحسن الحظ) دون عوائق بسبب القيود الأمنية الصارمة. أنا أتحرك في جميع أنحاء المدينة بمفردي وخلال عام ونصف منذ عودتي، لم اتعرض لأي تهديدات أو حوادث أمنية. وهذا لا يعني أن شيئا لن يحدث بالطبع، ولكن من خلال تجربتي فإن العيش في عاصمة ليبيا ما بعد الثورة لا يختلف عن العيش في لندن أو أي مدينة كبيرة أخرى (وفي الواقع أشعر بإني أكثر أمنا في طرابلس ليلا مما كنت أشعر به في مناطق معينة من لندن).

الحس السليم يجعلني ألا أتصرف بشكل غير لائق، فلا أتجول لوحدى في وقت متأخر من الليل وأتجنب مناطق معينة. إنني أجد صعوبة في أن أحدد حركتي بناء على مشورة بعض الرجال العسكريين السابقين الذين تم تدريبهم للعمل في مناطق نزاع مسلح، وليس في زمن السلم، والذين لديهم مصلحة في جعل المدينة تبدو أنها غير آمنة .

ومع ذلك، فإن العديد من الأجانب في طرابلس ليسوا محظوظين جدا. فهم محجوزون في أماكن يتم فيها حظر التجول الصارم والتوجيهات الأمنية اليومية. إنهم يتنقلون في عربات مدرعة بشكل كبير وبرفقة حراس مسلحين في جميع الأوقات. ان الكثير من الاجانب يرغبون في أن يتحرروا من أولئك الحراس المسلحين، ولكن منظماتهم ترى خلاف ذلك. بدلا من ذلك يتعين عليهم أن يطلبوا من الحراس الأمنيين لمرافقتهم للقيام بالأعمال والأنشطة العادية، مثل شراء المواد الغذائية من المتاجر المحلية أو الذهاب لممارسة رياضة العدو.

هذا يقودني إلى مسألة أشد إدانة بشأن الشركات الأمنية الخاصة: إنه لمن مصلحتهم أن تبقى ليبيا غير آمنة بقدر الإمكان. إنها ببساطة مسألة عرض وطلب. فاذا اعتبرت طرابلس آمنة للأجانب، عندئذ تكون الشركات الأمنية بدون عمل. ولذلك فمن مصلحتهم المبالغة في التهديدات الأمنية، والإصرار على أن وجودهم وتدخلاتهم ضرورية ومطلوبة في جميع الأوقات. مثل هذه الإجراءات لها تأثير من شقين، كلاهما يعود سلبا على ليبيا.

الأول هو جعل الأجانب بصفة مستمرة تحت طائلة التحذيرات والحماية الأمنية في جميع أنحاء المدينة، مما يحرمهم فرصة التعرف على الحياة اليومية في طرابلس وبأنها مدينة آمنة حقا. ونتيجة لذلك، فإن الرسالة التي يحملونها عند العودة لبلدانهم الأصلية هي واحدة وتنطلق من القيود اليومية والتهديدات الأمنية، وتعمل على ترسيخ فكرة أن ليبيا ليست آمنة، وبالتالي ضمان استمرار الطلب على الشركات الأمنية الخاصة.

والثاني هو أن تأثير رؤية أفراد الأمن المسلحين الأجانب بشكل علني وعدواني في جميع أنحاء المدينة من المرجح أن يجعل سكان المدينة أكثر عدائية تجاه الغربيين. إن الليبيين الذين يعيشون في طرابلس يعرفون بأنه لا يوجد تهديد حقيقي للأجانب هنا، وعلى الرغم من أن معظمهم يقدر أن الحذر ضروري، ولكن من المعروف أن كلا الحالتين تمثل إهانة واستفزازا لليبيين حين يتم التعامل معهم على أنهم يمثلون تهديدا أمنيا محتملا لمجرد أنهم مواطنون ليبييون.

بينما العديد من الأجانب الذين يعملون في ليبيا مهتمون حقا بمساعدة البلاد على المضي قدما نحو مستقبل أكثر استقرارا، فإنه من غير المحتمل أن يكون هذا هو الحال بالنسبة لإولئك المرتزقة الغربيين. إن مهامهم هي توفير الحماية في أجواء عنيفة ومعادية، وبافتراض أنهم لا يريدون أن يكونوا عاطلين عن العمل، فإنهم سيحرصون على تعزيز فكرة أن أكثر الأماكن أمنا في ليبيا غير آمنة وخطيرة وينبغي ألا يتم زيارتها دون مشورة "حيادية" من رجال الأمن.

المصدر: Open Democracy